اطلع على لمحات من رؤى وأفكار السيد هاشم الموسوي (رحمه الله)

(عدد القراءات : 41)
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
اطلع على لمحات من رؤى وأفكار السيد هاشم الموسوي (رحمه الله)

اطلع على لمحات من رؤى وأفكار السيد هاشم الموسوي (رحمه الله)

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بقلم الشيخ جميل الربيعي

 

مما لا شك، ولا ريب فيه أن رؤى وأفكار أي عالم مفكر، أو كاتب رسالي تدور مدار اهتماماته العقائدية والسياسية والاجتماعية، بل يمكن القول إنه لا يستطيع الإنسان أن يبدع في عمل فكري ما لم يكن له اهتمامات مركّزة بعمله..

وأقصد باهتماماته: أهدافه، وغاياته المنبثقة من إيمانه بعقيدته التي اعتنقها عن إيمان عميق، ووعي دقيق، وحملها رسالة في الحياة، ومنهجاً للتفكير، وأسلوباً سلوكياً أخلاقياً.

وتأسيساً على ذلك يمكن أن ندخل إلى ما سطّره سيدنا الراحل الجليل من أفكار ومبادئ، ومناهج، وما جسده من سلوك لم يختلف عما دعا إليه، بل يمكن القول إن السيد أبا عقيل كان مصداقاً حقيقياً لما كتبه من أفكار ورؤى ومناهج.

لم يختلف قوله عن فعله، فلم يكتب شيئاً وخالفه في سلوكه، ولم يدعُ إلى فكرة إلا وكان قد طبقها على نفسه أولاً، وكان مصداقاً لما قاله جده أمير المؤمنين × مخاطباً الناس:

((أيها الناس إني والله ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها)) نهج البلاغة: خطبة: 175 .

وهذا هو الداعية الصادق في دعوته، والتي عبرت عنه بعض الأحاديث بالداعية الصامت..

ولنرجع إلى اهتمامات سيدنا الراحل التي برزت في سلوكه قبل أقواله وكتاباته:

1- كان رضوان الله عليه يصب جل اهتماماته على أن يُعَرِّف بإصالة الإسلام كما أنزله الله تعالى في كتابه الكريم، وكما جسَّده رسول الله ’ وأهل بيته في سلوكه، ولذلك كان يؤكد دائماً وفي كل مناسبة على تنقية الفكر الإسلامي مما علق به من أوضار المغالين، والنواصب، والجهلة المتلبّسين بزيّ أهل العلم والمدّعين العلم والمعرفة زوراً وبهتاناً، ومن أهل الأوهام والخرافات والأحلام، كما كان يحذّر من الوقوع في شباك الأحاديث الموضوعة الإسرائيلية التي دسّت في كتب الحديث؛ ولهذا طالما كان يحث طلاب العلم على دراسة علوم القرآن والحديث الشريف؛ لأجل التمييز بين الأحاديث الصحيحة، والأحاديث الموضوعة، والتحقق من نقل الوقائع التأريخية في حياة أهل البيت (ع) ووجوب عدم نقل واقعة قبل التأكد من صحة مصدرها، نجد هذا المعنى جلياً في كتابه (أهل البيت مقامهم منهجهم مسارهم).

وكنت أراه يتألم، ويتأسف عندما يسمع أحد الخطباء ينقل واقعة غير صحيحة، أو حديثاً غير دقيق.

2- ومن اهتماماته الفكرية: الجديّة في تبسيط وتسهيل بيان العقائد الإسلامية والأحكام الشرعية؛ لأجل إيصالها إلى أكبر قدر ممكن من الناس، وتقديمها بأسلوب مُيَسّر على الأفهام والعقول؛ ليكون تأثيره كبيراً يصل إلى العقول، وينساب إلى القلوب؛ ليغير النفوس، ويطهر القلوب، وينقل الإنسان من واقعه الفاسد إلى واقع سليم..

3- وكان من اهتماماته الأساسية: تحرير العقول من العصبية الدينية والمذهبية  ؛ ولذلك كان يدعو إلى الانفتاح الواسع بين المسلمين جميعاً سواء كانوا علماء مجتهدين، أو مؤمنين مقلدين، ودعا إلى رفض الصنمية الحزبية، وحذّر منها، وبيّن عواقبها، وكان منهجه هذا يقوم على العمل على فتح قلوب المسلمين بعضهم على بعض ليفهم بعضهم بعضاً على ضوء الكتاب والسنة، ولهذا يقول في كتابه (التشيع نشأته معالمه): (كتبت هذا الكتاب للمساهمة في ترشيد الرأي العام الإسلامي، وتعريف المسلمين بعضهم ببعض، وإزالة الحاجز النفسي، والضباب التأريخي عن حقائق يجهلها الكثير من المسلمين؛ لذلك ابتدأت بالحديث الموضوعي الأمين عن نشأة التشيع كأقدم اتجاه إسلامي وأعرقه، ثم عرَّفت بمنهج البحث والتفكير الذي يبني هذا الكيان صرحه الفكري على أساسه؛ ليتضح للقارئ مستوى الأصالة والتماسك البنيوي في هذا الصرح الإسلامي الشامخ. بعد ذلك عَرَفّتُ بأبرز مرتكزات البناء الإيماني والتشريعي والسلوكي، وهي مرتكزات العقيدة، ومصادر الفكر والاستنباط، ومنهج الفهم والاجتهاد، ونظرية السلوك والفهم العملي للإسلام في هذه المدرسة ؛ لتتكامل الرؤية لدى القارئ عن نشأة ومعالم هذا الكيان الإسلامي، وقد التزمتُ في كلّ ذلك بالموضوعية والأمانة العلمية، والأخذ من المصادر المعتمدة والموثقة عند أصحابها. رائدنا في كل ذلك خدمة العقيدة، وتوحيد الأمة وتصحيح الفهم). ص 13 .

4- ومن أركز اهتماماته وأهمها هو بيان حقيقة التوحيد في مذهب أهل البيت (ع) مستنداً في ذلك على الكتاب الكريم والسنة الشريفة والبراهين العقلية بأسلوب سهل ميسر؛ ليركزه في عقول قرائه ومستمعيه؛ ولهذا كتب في كتاب التشيع:

((التوحيد قاعدة الإسلام، وأساس الدين، ومرتكز العقيدة في دعوات الأنبياء جميعاً، وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)).

ثم يقول: ((وعقيدة التوحيد هي الأصل الذي تتفرع عنه العقائد والأفكار الإسلامية وتبتني عليه البنية الثقافية والحضارة ومنهج التفكير والسلوك الإنساني بأسره)) ص68.

5- ومن اهتماماته المبدئية تصحيح مفهوم الولاء لله ورسوله وأهل البيت، وتعميق هذا الولاء في العقول والقلوب من خلال التعريف بشخصية الرسول الأعظم وأهل بيته المعصومين منطلقاً من الكتاب الكريم والسنة الشريفة؛ ولهذا وجدناه يؤكد هذه الحقيقة في كتابه (أهل البيت مقامهم منهجهم مسارهم)، فيقول: ((وقد تحدث القرآن عن أهل البيت مستعملاً الأساليب التالية:

أ- التصريح باسمهم الاصطلاحي الذي اصطلح عليه القرآن فهو تارة يسميهم (أهل البيت) وتارة يسميهم (القربى) [ثم يسوق الآيات].

ب- تسجيل أحداث ووقائع تخص أهل البيت ونزول آيات كثيرة تتحدث عن فضلهم ومقامهم وتثني عليهم)) ثم يستشهد بالآيات.

ولتأكيد ذلك يستشهد بالأحاديث الصحيحة التي وردت في تفسير الآيات النازلة في أهل البيت الواردة عن طريق السنة والشيعة، ويعرضها بأسلوب لا يرفضه عاقل منصف فضلاً عن مؤمن موالٍ، ثم يوضح سر التأكيد القرآني على فضائل ومقام أهل البيت (ع)، فيقول:

((وما عَرّفَ القرآن بهم هذا التعريف إلا ؛ ليؤكد للأمة مقامهم، ومكانتهم، ويوجه نظرها للاقتداء بهم، والرجوع إليهم في فهم الشريعة، وأخذ أحكامها عنهم؛ ليجدد للأمة الميزان العملي والمقياس الذي يرجعون إليه عند اختلاف الآراء، وتعارض الفهم والمعتقد، وما مواظبة الرسول (ص) على الوقوف بباب علي وفاطمة شهوراً عديدة، ومناداته عند الفجر لهم، يدعوهم إلى الصلاة، ويسميهم أهل البيت إلا؛ ليعرف بشخصيات أهل البيت (ع)، ويفسر للمسلمين الآية: (آية التطهير)، ويعرف الأمة بمقام أهل البيت (ع)، ويوجه نظرها إليهم، ويوجب عليها حبها، وطاعتهم، والولاء لهم))ص 12

6- ومن اهتماماته الإسلامية في أغلب كتاباته فتح القلوب والبصائر على كتاب الله؛ لتتخذ منه مرجعاً؛ لتقييم الأفكار والعقائد والمفاهيم، ومنهجاً سلوكياً في التربية الروحية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية... الخ، ولذلك كان يؤكد في كتابه (مبادئ وقيم أخلاقية) قائلاً: ((الأخلاق في القرآن تشكل محوراً أساسياً للبناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، بل وفي الدعوة والتبليغ والحوار مع الآخر، بل وفي الإيمان بالله والعقيدة...)).

ثم يقول: ((يبني القرآن العلاقات الإنسانية على أسس أخلاقية راسخة.. فهو يبدأ بأخلاقية الكلمة المُعَبرة عن محتوى الإنسان الفكري والعاطفي، ولأنها أسلوب التخاطب، وتكاشف الذوات المُعَرف لطرفي الخطاب)) ص 10 .

ومن هذا المنطلق- العودة إلى القرآن الكريم- كتب بدقّة وعمق كتاب (مبادئ وقيم أخلاقية)، وعدّها المنبع الأساس للثقافة القرآنية وبأسلوب ميسر ينتفع فيه العالم والمتعلم كل حسب مستواه الفكري وطهارة نفسه وسلامة قلبه.

وعلى كل حال كانت اهتمامات السيد الراحل بالقرآن عظيمة جداً، ولا تكاد تفارقه بل كانت تعايشه في حله وترحاله، وتغلب على لسانه وسلوكه؛ ولذا كان بحق وصدق شخصية قرآنية بكل ما للكلمة من معنى تدل عليه.

7- ومن اهتماماته التأكيد على الثقافة السياسية بمفهومها الإسلامي السليم، جاء ذلك من خلال طرحه الفكري في بيان معنى السياسة في الإسلام، ومقارنة هذا المعنى مع مفهوم السياسة في المدارس الفكرية العلمانية التي تؤكد أن السياسة (فن الحكم) وأنها (الكفاح من أجل السلطة)، وأنها (أداة للتسلط والسيطرة والتحكم) وأنها (فن الوصولية)، أو (فن الممكن) وغيرها من التعاريف التي طرحت في بيان معنى السياسة؛ ليتوصل إلى المعنى الصحيح لكلمة السياسة في الإسلام فيقول:

((فباستقراء ومتابعة كلمة السياسة، والراعي والرعية، والإمام والسلطان، وولي الأمر والبيعة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والشورى في الدراسات الإسلامية.. وفي النصوص والمجالات ذات العلاقة، سنعرف أن مفهوم السياسة في المدرسة الإسلامية قريب من معناه اللغوي.

فكلمة سياسة تطلق على كل عمل يتعلق برعاية الأمة، وتدبير شؤونها.. سواء كانت الاقتصادية أو الاجتماعية أو التعليمية أو إدارة الدولة، أو نشاط الأفراد والأحزاب الإسلامية أو القضاء، وإدارة العلاقات الخارجية والدفاع عن الأمة والعقيدة والأوطان.. الخ، وإذن فالحكومة مسوؤلة عن رعاية شؤون الأمة، والأمة مسؤولة عن رعاية شؤونها)) الثقافة السياسية الإسلامية ص11-12

وهكذا يتوصل إلى بيان مفهوم السياسة في الإسلام، ويبرهن عليه بالأدلة القرآنية ونصوص السنة الشريفة بشكل قاطع لا يقبل الرد لمن يؤمن بالقرآن والسنة.

8- ومن اهتماماته الأساسية بل هي خلاصة كل ما تقدم هو العمل بتحديد نظرية العمل الدعوي في الإسلام بصورته القرآنية الواضحة الصريحة منطلقاً من قوله تعالى: ((قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين))، وقوله تعالى: ((ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن))، وقوله تعالى: ((ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين))، وقوله تعالى: ((ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون))

ومن خلال النصوص المقدسة حدد المعالم الرئيسية للعمل الدعوي يمكن أن نلخصه في نقاط:

أ- إن الدعوة إلى الله عمل عبادي يستلزم النية الخالصة لله، والدأب والسعي من أجل هذا التكليف الشرعي ((وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى، قال يا قوم اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون)).

وليس في هذا الطريق إلا الكدح ولا مكان للكسل أو التردد أو المكاسب الدنيوية أو التثاقل أو الملل فالطريق طويل والعقبات كثيرة ((لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون)).

ب- إن الإيمان بفكر الدعوة والانتماء لها كتنظيم لا يكفي لكي يكون الإنسان داعية إلى الله، فالدعوة ممارسة وفعل والداعية هو الذي يؤدي واجبه بتبليغ رسالات الله ((الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً)).

ج- إن الدعاة هم أهل البذل والنصيحة وطلائع ركب العمل والجهاد، ومن لم يكن كذلك فليس من الدعوة في شيء، فالداعية يعطي كل شيء،ولا يرجو شيئاً غير مرضاة الله تعالى، والمطلوب من الداعية أن يكون أنموذجاً في الورع والتقوى وداعية إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ((ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن))، ومذكراً بالله في منطقه وفي هديه وسلوكه (كونوا لنا دعاة بغير ألسنتكم) قوياً لا تأخذه في الله لومة لائم، رحيماً بالمؤمنين، مدارياً للناس، يعاملهم بالتي هي أحسن، ويقودهم إلى طريق الهدى.

د- إن من أهم صفات الداعية المجاهد هو وضوح الرؤية، والسير في طريق ذات الشوكة، على بينة من أمره، فهو يعرف موضع قدمه، والسبيل الذي سلكه في طريق الدعوة والجهاد راسخ الخطى مطمئن القلب ثابت الجنان يهتدي بنور الله لا تأخذه الأهواء ولا تلتبس عليه الأمور.

هذه بعض من الخطوط العريضة والأساسية التي حددها السيد الراحل في النشرة الداخلية لحزب الدعوة الإسلامية صوت الدعوة العدد 45 وبشكل مختصر، وهذه النقطة تحتاج إلى تفصيل واسع لا يسعها هذا البحث ولمن أراد التوسع الرجوع إلى كتاب ثقافة الدعوة الإسلامية..

وأخيراً أقول: هذه اللمحات هي قطرة من فيض بحر هذا العالم المفكر الجليل الذي أمضى حياته كلها لخدمة الإسلام وقدم من أجله كل غال ونفيس نسأل الله أن يحشره مع أجداده الطاهرين، ويسكنه جنان النعيم، ويرزقنا شفاعته يوم لا ينفع مال ولا بنين .

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي